احتضنت مكتبة أمريو ببجاية، صباح اليوم السبت 17 أكتوبر 2026، افتتاح الملتقى العلمي الدولي «المسرح والأنثروبولوجيا: مكانة الممثل، والطقس، وفضاءات العرض ضمن الإشكالية المطروحة»، المنظم ضمن فعاليات الطبعة الخامسة عشرة للمهرجان الدولي للمسرح ببجاية، تحت إشراف وزارة الثقافة والفنون. ويستمر الملتقى يومين، بمشاركة أكاديميين وباحثين ومسرحيين من الجزائر ومن دول عربية وإفريقية وأوروبية.
وشهد الملتقى، لدى انطلاق أشغاله، وقوف المشاركين دقيقة صمت ترحما على أرواح شهداء مجزرة 17 أكتوبر 1961 بباريس، تزامنا مع الذكرى الخامسة والستين لهذا الحدث. ففي مثل هذا اليوم من سنة 1961، خرج آلاف الجزائريين المقيمين بفرنسا في مظاهرات سلمية بالعاصمة الفرنسية، تلبية لدعوة جبهة التحرير الوطني، احتجاجا على قرار حظر التجوال العنصري والمجحف الذي أصدره محافظ شرطة باريس موريس بابون في حق الجزائريين، فقوبلت تلك المظاهرات بقمع دموي من قوات الشرطة الفرنسية. ويبقى هذا الحدث محطة بارزة في الذاكرة الوطنية الجزائرية.

وأشرف على الملتقى البروفيسور جميل عيساني رئيسا للملتقى العلمي الدولي، إلى جانب علي عيساوي محافظ المهرجان وعمر فطموش المدير الفني للتظاهرة، بمشاركة الجمعية العلمية «جيهيماب» (Gehimab). وانطلق برنامج اليوم الأول بمقدمة افتتاح دامت نصف ساعة، تلته الجلستان الأولى والثانية بإدارة البروفيسور عبد الحليم برتيمة، عالم الاجتماع ومدير مخبر بحث بجامعة بجاية. وتضمنت هاتان الجلستان مداخلة لإبراهيم نوال، الأستاذ بالمعهد العالي لفنون العرض، بعنوان «الأنثروبولوجيا والمسرح: التراث كمادة للإبداع»، وهي قراءة في تجربة عمر فطموش في الفرجة الفنية. وتناول الدكتور عبود حسن المهنا من العراق الطقس والذاكرة الجماعية في العرض المسرحي العراقي، متخذا من مسرحية «الأنشودة الهزازة» لعوني كرومي نموذجا. وعالجت الأستاذة جميلة مصطفى زقاي، من جامعة تيبازة ومستشارة بوزارة الثقافة، موضوع الجسد الطقسي للمرأة في المسرح الجزائري وتفكيك المركزية الذكورية وإعادة إنتاج السلطة الرمزية. وقدم الدكتور رشيد منجلي، الأنثروبولوجي والمخرج المسرحي من فرنسا، مداخلة عن حلقة ساحة جامع الفنا بمراكش بوصفها مسرحا مفتوحا تعمل فيه الأجساد.

وبعد استراحة قهوة، انعقدت الجلسة الثالثة بإدارة الكاتب والناشر إبراهيم تازاغارت، وتضمنت مداخلة للدكتور يوسف زفان من المعهد العالي لمهن فنون العرض والسمعي البصري ببرج البحري حول سيميائية الفضاء في مسرح ولد عبد الرحمان كاكي، ومداخلة للدكتورة ويزة قالز، مديرة البحث بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ بالجزائر، بعنوان «الحياة الاجتماعية، تمثيل مسرحي». أما الجلسة الرابعة فأدارها البروفيسور مصطفى تيجت، اللساني ومدير المركز الوطني لتطوير اللغة العربية بأبودواو، وتناول فيها الأستاذ حبيب بوخليفة الانتقال من الطقس إلى العرض ومن الجسد الثقافي إلى صناعة المعنى. وقدم الباحث اليمني خليل خليل المذحبي، مدير دائرة البحوث والدراسات بوزارة الثقافة اليمنية، مداخلة عن الجسد بوصفه وثيقة أنثروبولوجية، تناولت محدودية الذاكرة وعجز الواقع الافتراضي عن نقل الحمولات الرمزية وسلطة الفضاء الحي.
ويتواصل الملتقى غدا الأحد 18 أكتوبر بثلاث جلسات، أولاها الجلسة الخامسة بإدارة الصحفي والمعلق فيصل مطاوي، وتضم مداخلة الدكتور يوريس لوشبورغ، كبير المستشارين الدراميين ومدير الاتصال بمسرح «فوربومرن» الألماني، حول «خطورة الممثل»، ومداخلة البروفيسورة ليلى بن عيشة، مديرة المعهد العالي لمهن فنون العرض ببرج البحري، عن تفكيك سلطة اللوغوس في مسرح القسوة من خلال فرجة «الحضرة» في الجزائر أنموذجا، ومداخلة عمر فطموش، المدير السابق للمسرح الجهوي لبجاية والخبير لدى لجنة المسرح باليونسكو، عن الممثل التقليدي في طقس «الشيبة». وتليها الجلسة السادسة بإدارة البروفيسور سطار وعثماني مدير مجلة «RHM» المتخصصة، ويقدم فيها الدكتور أحمد شنيقي من جامعة عنابة مداخلة حول المسرح والأشكال الدرامية الشعبية، إضافة إلى مداخلة من النيجر عن البعد الاجتماعي الرمزي للفضاء الركحي التقليدي، يقدمها هاما موسى ويازي دودو من نيامي.
كما تختتم الأشغال بالجلسة السابعة التي يديرها وزير الصناعة السابق عبد النور كرمان، وتتضمن مداخلة الدكتور محمد بوكراس من جامعة المدية عن «الإنسان – الممثل» في مشروع قاسم محمد المسرحي، ومداخلة المخرج البنيني نيكولا دي دراڤو هويونو حول إسهام العلاقة بين المسرح الإفريقي والأنثروبولوجيا في فهم الثقافات الإفريقية وإبداعها ونقلها. كما يستعرض جميل عيساني وعمر فطموش إسهام علماء بجاية في العصر الوسيط وتحويله إلى عروض بالمسرح الجهوي لبجاية، مثل «ليوناردو فيبوناتشي في بجاية» و«مشدالي زواوي في تلمسان» و«الصفوة المهدي ابن تومرت»، قبل حفل الاختتام على الساعة الثانية بعد الظهر.
في الاخير ينطلق الملتقى من حوار قديم بين المسرح والأنثروبولوجيا حول الممارسات الثقافية وأشكال التمثيل والأداء، وطرق تعبير المجتمعات عن مخيالها. وتطرح ورقته العلمية أسئلة جوهرية، أبرزها كيف يستلهم المسرح الأشكال التقليدية دون أن يختزلها في مجرد مواضيع فلكلورية، وكيف يمكن الحفاظ على بعدها الثقافي والطقسي والرمزي. وتتوزع محاوره على علاقة الممثل بالوسط التقليدي، وتوظيف «الحلقة» عند ولد عبد الرحمان كاكي، ودور «القوال» عند علولة بين الراوي والممثل، ومفهوم الممثل الأنثروبولوجي عند أوجينيو باربا، إضافة إلى المسرح والطقوس والاحتفالات، ودراماتورجيا الكلمة والجسد والرقص والذاكرة الجماعية، والتقليد والهوية والتراث، والشفاهية والحكواتي والراوي. ويسعى الملتقى إلى النظر إلى الخشبة بوصفها فضاء لتداول الذاكرات والإيماءات والحكايات ومخيال المجتمعات الإنسانية، ما يمنح هذه الطبعة من مهرجان بجاية بعدا فكريا وأكاديميا يتجاوز العروض الفنية.







