أقلام المدار

المشـــــــروع الوطنـــــــــي

عبد الحميد عرفة

آمالٌ كبيرةٌ علقتها الجماهير على أن تكون مرحلة ما بعد حكم بوتفليقة وتحديدا رئاسيات 12-12 منعرجا حاسما في تاريخ البلاد، والدفع نحو غدٍ أفضل اشراقاً، ومع هذا الأمل كان الجميعُ، أفراداً وجماعاتٍ على يقينٍ بأن الأمر ليس بتلك البساطة من دون هندسة صحيحة للمشروع، رغم الإستعداد الجماهيري وقابليةِ النخب.

وعليه: هل يمكننا القول أننا أمام خيبة أملٍ كبيرة ؟..اعتقد أن الوقت مازال مبكرا للبث في حُكمٍ قبل طرح الأسئلة الصحيحة.

لُبُ الأمر يكاد يتجمع في الطرح الآتي: ماذا نريد بالضبط لنحكم عن مدى خيبة الأمل تلك، والمقصود هنا ليس الفكرة العامة (عدالة إجتماعية ) التي كانت دافعاً وسبباً في حراك الشعب وثورته، إذ ينبغي التفريق بين الدافع والهدف.
والحقيقة أن تلك الإنتفاضة نجحت في لَفضِ حكم بوتفليقة وحلفائه، وهم يحاولون الإستمرار نحو عهدة خامسة، لكن جوهرها كان بحثا عن #الدولة_المنشودة أساسها ثوابت الأمة وتجمع كل مقومات الرخاء والنماء والإنفتاح، والدليل أنها لم تتوقف عند حد ابعاد وجوه النظام وحسب، بل تعدته إلى المحاسبة ورفض كل الذين تعاقبوا على السلطة، إلى جانب استحضار التاريخ النضالي لحقبة ما قبل الإستقلال.

الدولة المنشودة .. وثنائية الفساد والعمالة

إنطلاقاً من تأكيد حرص الجماهير على ضرورة بناء #دولة_الإستقلال الحقيقية ذات سيادة كاملة غير منقوصة، أيقن الشعب أن هذا يستحيل في ظل بقاء زمر نظام مُتهاوي على أعتاب ثنائية زبائنية الفساد، والعمالة للإستعمار.
وسرعان ما طفا إلى السطح أول انقسام داخل جسم الحراك، وبدأت تتشكل نواتان، لمشروعين على طرفي نقيض، أحدهما يريد بناء دولة، الشعب هو السَيدُ فيها بواسطة #صندوق_الإنتخاب، مستدعيا بيان أول نوفمبر كأرضية عمل، رافضا أي وصاية داخلية كانت أو خارجية، أما الصف الثاني على قلة ومحدودية أتباعه حاول فرض فكرة وصاية نخب معينة فطرح مشروع #المرحلة_الإنتقالية، ولاغيا أي مسار انتخابي مهما كان ديموقراطياً، وفي الحقيقة ينبغي الإشارة إلى أن هذا الصراع ليس وليد اليوم، بل هو صراع ايديولوجي ممتد، ونتاج مرحلة ما بعد الإستقلال.

الصندوق والمرحلة الإنتقالية .. مشروعان لا يلتقيان

انحصر الصراع بين فريقي الصندوق واللاصندوق، الأخير حاول إستبعاد صوت الشعب والإستئثار بالحكم بواسطة مشروع #المرحلة_الانتقالية وقد كان وسيلتهم الأولى للسطو على الحكم، حدث هذا خلال التسعينات بعد إنقلاب أبيض على الشاذلي بن جديد واستغلت الزمرة حينها الفرصة بحثا عن سيطرة مطلقة، وتم تشكيل لوبي متجذر في هيكلة المؤسسات وشق قنوات ضغط، كما يستقي عوامل قوته الأساسية من دعم خارجي بفعل عدائيته لثوابت الأمة وللإسلام تحديدا، وعرفت هذه الزمرة حينها باسم #الإستئصاليين.
أما فريق وأنصار الإحتكام للصندوق، فكان يمثل السواد الأعظم للشعب، واختار شعار #جيش_شعب_خاوة_خاوة ردا على دعوات جماعة اللاصندوق والعجيب أنهم نادوا بـ #دولة_مدنية_لا_عسكرية وهو شعار لا يمت بصلة، بل ويعاكس تماما مشروعهم الذي حاولوا فرضه.
حدث هذا وقد حرصت مؤسسة الجيش طيلة سنة كاملة وهي ترافق الحراك الشعبي على تأكيد وضرورة أخذ الشعب لزمام المبادرة، وأن يحكم نفسه بنفسه من خلال العملية الديموقراطية.
وعلى ذِكر مؤسسة الجيش علينا التأكيد أن هذه المؤسسة العريقة حصلت على إستحقاق تاريخي جديد من خلال إعتراف الشعب بجهد وإلتزام المؤسسة بحماية الأمة وثوابتها، ويشهد القاصي والداني أن المؤسسة لعبت دورها الدستوري بوصفها ضامن إستقرار في مرحلة حرجة وهو مكسب يضاف إلى مكاسب أخرى سابقة.

نوفمبريون، باديسيون..و”شرذمة”

كان طبيعيا جدا أنه حتى وبعد انتخاب الرئيس وإعادة جسم الرئاسة لحياته الطبيعية بفضل تجند الشعب رفضا لأي انزلاق، فإن هذا الصراع لم يحسم لصالح أي طرف، إن لم نقل أنه زاد في عنفوانه، وصار يتحكم في “ماذا نريد؟”، أي شكل المشروع وهويته.
وبرغم نجاح الشعب في فرض هيبته وسلطته وفرض منطق فرز الصندوق، واحترام الديموقراطية، وتحقق أول انجاز ممثلا في اختيار رئيس يقود البلاد، إلا أن هذا الجناح صاحب القوة المطلقة على الأرض، والذي صار يعرف باسم #النوفمبريين، وكذلك #الباديسيين وبرغم وضوح وبساطة المطالب التي تتسم بكونها شعبية، إلا أن هذه الغالبية العظمى لم تصل بعد لمرحلة التأسيس للفعل والمبادرة ويتلخص هذا في سببين اثنين: لم تنتظم بعد في مشروع مُوحَد، إلى جانب بعد أطرافها عن نواة صنع القرار داخل منظومة الحكم، وهذا يعد أحد نتاجات هندسة قوى الإستعمار طيلة سنوات، فطالما رأى في الإرادة الشعبية تهديدا مباشرا لمصالحه.

لعبة الدعاية والتوجيه وتذكية صراعات هامشية

في مرحلة ما بعد الرئاسيات اختلط المشهد قليلاً، وتزامن هذا مع رحيل أحد صناع المرحلة ممثلا في شخص الفريق قايد صالح رحمه الله، وبعيدا عن محاولة إثبات هل لرحيله تأثير مباشر على المشهد أو لا، رأينا محاولات لصرف الغالبية وحتى النخبة عن جوهر الصراع، فطفت إلى السطح مشاهد مبتذلة كـ الجهوية، الفئوية، دعوات استدعاء القوة العمومية، لغة الإتهامات..مشاهد لم نعتد على التعامل معها، كانت بحكم “الطابو”، وللأسف اتجهت بعض الأصوات نحو الترويج لها مناولة أو معارضة.
وسرعان ما بقيت بعض الأصوات الوطنية رهينة رجع الصدى لتحرك سياسي انتهجته قوى #المرحلة_الإنتقالية اصطلح على تسميتها بـ #الشرذمة، وهو مصطلح من ناحية الأفعال قد يكون وريثا وبديلا وأوسع لما كان يعرف بالتيار الإستئصالي.
وعلاوة على ممارسة فعل “ردة الفعل” وقعنا أيضا ضحايا للدعاية وظهر تأثير وأهمية #لوبيات_التوجيه التي بدأت تخنق الأجواء بشكل خاص في فضاءات شبكات التواصل بخطابات ظاهرها وطني وباطنها لايمت للوطنية بصلة.
ووجدت الأصوات الوطنية نفسها على اختلاف مشاربها في أحد جناحين: إما المسايرة أو المحاربة، مسايرة السلطة الجديدة بخطاب المديح والتمجيد احتكر ريادته مُتَرَزِقون ومُتَزلفون.
وإما المحاربة، والتصدي لتجاوزات لفيف من #الشرذمة.. فئة تفننت في ممارسة استفزاز الشعب لدرجة التشكيك في هويته وعقيدته.
وهنا يجدر التنويه إلى مسألة جد هامة، وهي بروز #خطاب_الشيطنة، وهو أكثر الأسلحة فتكاً وهندس له خبراء التوجيه والدعاية، وللأسف تورط كثيرون في هذا هذا النسق من المحاورة الإجتماعية، وعوض الإنصراف لجوهر الصراع وصب الجهد على إثراء مشروع البناء بقي بعض الأتباع من هنا وهناك حَبِيسي حيز الإتهامات المجانية، ويكمن خطر تذكية #خطاب_الشيطنة في تجسيد انقسام مجتمعي،.. إنقسام المجتمع هو تحديدا ما تريده قوى الإستعمار، لأنه يتقاطع وأهدافها الإستراتيجية ( تقسيم الأوطان لأقاليم ).

عمل وأداء الحكومة عامل مؤثر

ينبغي التنويه إلى أن عمل الحكومة وخُططها يعد عاملا هاما ومؤثرا في تحديد مسار هذا الصراع، فدعاة #المرحلة_الإنتقالية بعد خسارتهم للحكم وابعادهم من بعض المواقع الهامة، أقول بعض المواقع وليس كلها، وكذا فشلهم في قلب المقاليد لصالحهم وجدوا أنفسهم ظاهريا أحرارا من أي إلتزام، وعلاوة على تقديم أنفسهم كمعارضة ولايتحملون مسؤولية أي اخفاق سياسي وتنموي عمدوا بكل جهد على تحقيق أمرين في آن:
يعملون على إبراز وتقييم أداء الحكومة بما فيه حكم الرئيس على أنه نهج نوفمبري باديسي، وأنه نموذج غير صالح لحكم الجزائر، ولا يتوفر أصحابه على الكفاءة لتسيير ورعاية شؤون الناس، وأنه فشل لحد الآن في توفير حياة كريمة للمواطن.
هذا على المستوى الداخلي، أما خارجيا فتعمل هذه الفئة #الشرذمة بمختلف مكوناتها في الإعلام ومختلف المحافل على تكريس صورة نمطية لنظام الحكم الحالي على أنه نظام استبدادي قمعي، يحدث هذا وسط تواطؤ لبعض الأطراف الدولية وقوى الإستعمار في مقدمتها فرنسا صاحبة المصالح في الجزائر .
وبرغم كونه ليس حديثنا، إلا أننا لا ننكر حقيقة أن الشعب اليوم يعيش تحت وقع صدمة أداء الحكومة، لاسيما ما تعلق بالعدالة الإجتماعية وتحريك واقع التنمية، ومازاد الطين بلة هو جائحة كورونا وهبوط أسعار النفط بالرغم من كون بعضهم يعتبرها فرصة ثمينة لتجنيد الوعي القومي.

رُؤى تنضوي في المشروع ولا تحتويه

تعهد الرئيس تبون خلال حملته الإنتخابية بتعديل دستور يتوافق ورؤية #جزائر_جديدة، وبدا أنه المشروع الذي يتبناه في ظل حرصه على تبني الحراك وما انتجه من واقع سياسي ومجتمعي، كما حرص على تدوير مصطلح #التوافق وربما هو مصطلح لا يشاطره فيه كثيرون من دعاة المشروع الوطني النوفمبري، وهم يؤكدون استنادا للتجارب والتاريخ أنه لا تقدم ولاازدهار للبلاد من دون قطيعة حقيقية مع كل ما يمت بصلة للإستعمار وبقاياه.
وسرعان ما حدث أول اصطدام بعد طرح #مسودة_الدستور وتفاجئ الشعب بمحتوى المسودة غير المسبوق، وتساءلت النخب عن علاقة التوافق ومدى عمقه وانغماسه في مشروع #جزائر_جديدة ؟!
#مسودة_الدستور تشكل ورقة حقيقية للفرز والفصل بين هذا المشروع وذاك، والكلمة الفصل فيه كما قال الرئيس هي للشعب،ومرة أخرى بواسطة الصندوق.

مكاسب لا ينبغي اغفالها

إغفال المكاسب لا ينكره إلا جاحد، على رأسها انكشاف غطاء الإحتلال المقنن للوبي احتكر السلطة لعقود من الزمن، عَمِل على ابعاد الشعب وتهميشه، وصب جهده في استرضاء قوى الإستعمار.
إن الوثبة الحقيقية لا يمكن تحقيقها إلا بتظافر كل من السلطة والشعب في آن واحد، وإذا ما تخلف أحدهم عن الآخر فستبقى #الدولة_المنشودة مجرد حلم.
لا يمكننا اغفال مكسب عمليات المحاورة التي نراها بين النخب والفاعلين لخلق فضاء تفاعلي للأخذ والرد في الرأي بما يخص بناء المشروع الوطني، ورغم تأخر عملية مباشرة الفعل والتشييد، إلا أن حصول إجماع حول هوية المشروع يبشر بخير.

خلاصة القول

نحن في حاجة ملحة إلى مشروع وطني جامع واضح المعالم، ولا ضير في التسمية أبدا طالما يؤكد على ثوابت الأمة (بيان أول نوفمبر) ويحدد الأهداف.
نريده أن يكون #مشروعا_وطنيا_مجتمعيا جامعا عماده #الإستثمار_في_الإنسان، ولاسبيل إلى ذلك من دون عقيدة صحيحة، نريده مشروعا جامعا خاليا من تجاذبات السياسة، وقد علمتنا الأيام أن العمل السياسي يفشل دائما في التجميع والإستنهاض والديمومة.
مشروعا يعمل على إحياء أهمية الفرد والجماعة والإعتراف بأن اختلاف الجزائريين سواء في عاداتهم، ألسنتهم، ولهجاتهم، وتعابيرهم وأعراقهم هو عنصر نماءٍ وتنوعٍ.
الطريق يبدأ بخطوة فتح حوار مجتمعي واسع تقوده نخب اصلاحية، وعلينا التذكير دائما .. حجم الطموحات يعكس حجم العمل، يعكس حجم الأمل، كما يعكس حجم الخيبة إذا ما حصل زلل، ولم نسلك الطريق الصحيحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Solve : *
27 − 6 =


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق